السيد نعمة الله الجزائري
84
عقود المرجان في تفسير القرآن
[ 71 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 71 ] قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 ) « لا ذَلُولٌ » ؛ أي : لم يذلّلها العمل بإثارة الأرض . « وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ » ؛ أي : ولا يستقى عليها الماء فتسقي الزرع . « مُسَلَّمَةٌ » : بريئة من العيوب ، سليمة من آثار العمل . لأنّ ما كان من العوامل لا يخلو من آثار العمل . « لا شِيَةَ فِيها » : لا لون يخالف لونها . « بِالْحَقِّ » ؛ أي : ظهر لنا الحقّ الآن ؛ وهي بقرة فلان . وهذا يدلّ على أنّهم جوّزوا أنّه قبل ذلك لم يجئ بالحقّ على التفصيل وإنّما أتى على وجه الجملة . وقيل : الآن ثبت الحقّ . وهذا يدلّ على أنّه كان فيهم من يشكّ في أنّ موسى ما بيّن الحقّ . « وَما كادُوا » ؛ أي : قرب أن لا يفعلوا ذلك مخافة اشتهار فضيحة القاتل . وقيل : لغلاء ثمنها . لأنّه كان ملء جلدها ذهبا . « 1 » « وَما كادُوا يَفْعَلُونَ » لتطوّلهم وكثرة استكشافهم . « 2 » اختلف العلماء في هذه الآيات . فمنهم من ذهب إلى أنّ التكليف فيها متغاير وأنّهم لمّا قيل لهم : اذبحوا بقرة ، لم يكن المراد إلّا ذبح بقرة أيّ بقرة شاؤوا من غير تعيين بصفته . فلمّا لم يفعلوا ، شدّد عليهم التكليف . ولمّا راجعوا المرّة الثانية ، تغيّرت مصلحتهم إلى تكليف ثالث . ثمّ اختلف هؤلاء من وجه آخر . فمنهم من قال في التكليف الأخير أنّه يجب أن يكون مستوفيا لكلّ صفة تقدّمت . فعلى هذا يكون التكليف الثاني والثالث ضمّ تكليف إلى تكليف زيادة في التشديد عليهم . ومنهم من قال انّه يجب بالصفة الأخيرة فقط دون ما تقدّم . وعلى هذا يكون التكليف الثاني نسخا للأوّل والثالث نسخا للثاني لجواز نسخ الشيء قبل الفعل . وذهب آخرون إلى أنّ التكليف واحد وأنّ الأوصاف المتأخّرة هي للبقرة المتقدّمة وإنّما تأخّر البيان . وهو مذهب المرتضى . واستدلّ بهذه الآية على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة . « 3 »
--> ( 1 ) - مجمع البيان 1 / 274 - 275 . ( 2 ) - الكشّاف 1 / 152 . ( 3 ) - مجمع البيان 1 / 275 .